ملا محمد مهدي النراقي
274
جامع السعادات
توجهت للعبادة له ، والمؤانسة به . وأعرض أسرارك عليه ، ولتعلم أنه لا تخفى عليه أسرار الخلائق أجمعين وعلانيتهم . وكن كأفقر عباده بين يديه . واخل قلبك عن كل شاغل يحجبك عن ربك ، فإنه لا يقبل إلا الأطهر والأخلص . وأنظر من أي ديوان يخرج اسمك ، فإن ذقت حلاوة مناجاته ولذيذ مخاطباته ، وشربت بكأس رحمته وكراماته من حسن إقباله عليك وأجابته ، فقد صلحت لخدمته فادخل فلك الإذن والأمان ، وإلا فقف وقوف من قد انقطع عنه الحيل ، وقصر عنه الأمل ، وقضى عليه الأجل . فإن علم الله عز وجل من قلبك صدق الالتجاء إليه نظر إليك بعين الرأفة والرحمة والعطف ، ووفقك لما تحب وترضى ، فإنه كريم يحب الكرامة لعباده المضطرين إليه ، المقيمين على بابه لطلب مرضاته . قال الله تعالى : ( أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ) ( 25 ) ( 26 ) فصل الاستقبال وأما الاستقبال ، فهو صرف لظاهر وجهك عن سائر الجهات إلى جهة بيت الله . وهذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يصرف وجه القلب عن سائر الأشياء إلى الله ، فإن الأعمال الظاهرة تحريكات للبواطن على ما يناسبها ، فضبط الجوارح وتسكينها بالاثبات في جهة واحدة ، لأجل ألا تبقى على القلب ، لأنها إذا توجهت إلى جهات متعددة يتبعها القلب بالتوجه إلى أشياء متعددة ، فأمر الله بصرفها إلى شطر بيته ، ليتذكر القلب صاحبه ، ويتوجه إليه ، ويثبت على ذلك كما تثبت الأعضاء على جهة واحدة . قال رسول الله ( ص ) : ( إن الله تعالى مقبل على المصلي ما لم يلتفت ) ، وهذا الالتفات يشمل التفات القلب أيضا ، فكما يجب حراسة الرأس والعين عن الالتفات إلى الجهات ، فكذلك يجب حراسة السر عن الالتفات إلى غير الله وغير الصلاة ، فإن التفت إلى غير الله وغير الصلاة ، فذكره بأطلاع الله عليه ، وقبح غفلة المناجي عمن يناجيه وعما يقول له حين المناجاة ، لا سيما إذا كان
--> ( 25 ) النحل ، الآية : 62 ( 26 ) صححنا الحديث على ( مصباح الشريعة ) : الباب 12 / 140 - 141 .